احمد وائل عمر - القاهرة في الأحد 30 أغسطس 2026 03:33 مساءً - في لحظة يترقبها علماء الفلك حول العالم، تستعد وكالة ناسا لإطلاق تلسكوبها الفضائي الجديد «نانسي جريس رومان»، اليوم الأحد، في مهمة طموحة قد تعيد رسم خريطة الكون وتفتح الباب أمام اكتشافات جديدة حول المادة والطاقة المظلمتين والكواكب خارج المجموعة الشمسية، ولعل من بين العلماء المشاركين في هذا المشروع الضخم العالم المصري الدكتور أحمد سليمان، العالم والمهندس في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا «JPL-NASA/Caltech»، والذي كان له دور ضمن الفريق الذي عمل على تطوير واختبار «Roman Coronagraph Instrument»، وهي إحدى أكثر التقنيات طموحًا التي يحملها التلسكوب الجديد.
حيث شارك «سليمان» في القيادة والمساهمة في عدد من مهام ناسا، من بينها جهاز الكوروناجراف الخاص بتلسكوب رومان، كما حصل على جوائز من مختبر الدفع النفاث تقديرًا لمساهمته في اختبارات الجهاز وتسليمه إلى مركز جودارد التابع لناسا لدمجه مع التلسكوب.
ماذا يفعل التلسكوب «رومان»؟
تلسكوب «نانسي جريس رومان» هو أحد أهم مراصد ناسا الفضائية للجيل الجديد، وسينطلق على متن صاروخ «فالكون هيفي» التابع لشركة سبيس إكس من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا، وتستهدف ناسا إطلاقه ظهر اليوم 30 أغسطس 2026، حيث سيعمل التلسكوب على دراسة مجموعة واسعة من الأسئلة المتعلقة بالكون، وفي مقدمتها طبيعة الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، إضافة إلى دراسة المجرات والكواكب خارج المجموعة الشمسية، إذ يمتلك «رومان» مجال رؤية أوسع بنحو 100 مرة من مجال الرؤية الخاص بأداة الأشعة تحت الحمراء في تلسكوب هابل، ما سيسمح له بمسح مساحات ضخمة من السماء وجمع كميات هائلة من البيانات عن الكون، لكن الجزء الأكثر إثارة في مهمة «رومان» بالنسبة للبحث عن الكواكب هو «Roman Coronagraph Instrument»، أو جهاز الكوروناجراف.
بصمة أحمد سليمان في «الكاميرا» التي تحجب ضوء النجوم
شارك أحمد سليمان ضمن فريق مختبر الدفع النفاث في العمل على كاميرا الكوروناجراف Roman Coronagraph Instrument، الذي يمثل تقنية تجريبية جديدة تهدف إلى تمكين العلماء من تصوير كواكب تدور حول نجوم أخرى بصورة مباشرة، إذ تكمن المشكلة في أن النجم الذي يدور حوله الكوكب أكثر سطوعًا منه بملايين المرات، وبالتالي فإن ضوء النجم يطغى على الضوء الخافت المنعكس عن الكوكب، تمامًا كما تحاول رؤية جسم صغير بجوار مصدر ضوء شديد السطوع، وهنا تأتي وظيفة الكوروناجراف؛ إذ يستخدم مجموعة من الأقنعة والمرايا والمكونات البصرية لحجب ضوء النجم وتقليل الوهج المحيط به، بما يسمح برؤية الضوء القادم من الكوكب.
وتقول ناسا إن Roman Coronagraph صُمم ليتمكن من رصد كواكب تصل درجة خفوتها إلى نحو 100 مليون مرة مقارنة بنجومها، وهو أداء أفضل بنحو 100 إلى 1000 مرة من بعض تقنيات الكوروناجراف الفضائية السابقة، إذ لايعتمد فقط على حجب الضوء بشكل ثابت، بل يضم مرايا قابلة للتشوه يمكنها تعديل شكلها بدقة شديدة للتعامل مع العيوب البصرية الدقيقة التي قد تسمح بتسرب ضوء النجم إلى مجال رؤية الجهاز، وتصف ناسا هذه التقنية بأنها أول «كوروناجراف نشط» سيُرسل إلى الفضاء، إذ يستطيع تعديل أدائه أثناء التشغيل، على عكس الكوروناجرافات السلبية المستخدمة في بعض التلسكوبات الفضائية الأخرى.
الدكتور أحمد سليمان
من «رؤية» الكواكب إلى البحث عن الحياة
ورغم القدرات غير المسبوقة للجهاز، فإن الهدف الحالي ليس تصوير نسخة مطابقة للأرض والبحث مباشرة عن كائنات حية عليها، وهنا تأتي أهمية العمل الذي شارك فيه العالم المصري، ففي مقال نشره «سليمان» في مجلة «The California Tech» التابعة لمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، أوضح أن الكوروناجراف الموجود على تلسكوب رومان يمثل خطوة تكنولوجية مهمة نحو الجيل التالي من المراصد التي ستبحث عن كواكب شبيهة بالأرض حول نجوم شبيهة بالشمس.
وأوضح سليمان أن الكواكب الشبيهة بالأرض تكون أخفت من نجومها بنحو 10 مليارات مرة، وهو ما يجعل رصدها مباشرة تحديًا هائلًا أمام التكنولوجيا الحالية، ويستطيع جهاز رومان الوصول إلى مستويات تباين تصل إلى نحو جزء من عشرة ملايين «10^-7»، ما يسمح له بتصوير كواكب عملاقة شبيهة بالمشتري ودراسة خصائص أجوائها، لكنه لا يصل بعد إلى مستوى التباين المطلوب لرصد كوكب شبيه بالأرض حول نجم شبيه بالشمس، ولهذا، ينظر العلماء إلى «رومان» باعتباره خطوة مهمة على الطريق إلى مهمة مستقبلية أكثر طموحًا، هي «Habitable Worlds Observatory»، التي تستهدف البحث عن عوالم شبيهة بالأرض ودراسة أجوائها بحثًا عن مؤشرات الحياة، وتؤكد ناسا أن Roman Coronagraph سيكون بمثابة اختبار تكنولوجي مهم لتطوير قدرات هذه المهمة المستقبلية.
المصري الذي يعمل على «عين» تبحث عن الأرض الثانية
كما أن دور أحمد سليمان لا يتوقف عند تلسكوب رومان؛ فمسيرته العلمية تتركز في تطوير أجهزة وتقنيات بصرية وحساسة تستخدم لاستكشاف الكون، حيث حصل سليمان على درجة البكالوريوس في هندسة الإلكترونيات والاتصالات من كلية الهندسة بشبرا بجامعة بنها عام 2009، ثم حصل على ماجستير في الهندسة الكهربائية من جامعة عين شمس عام 2014، قبل أن ينتقل إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، حيث حصل على الماجستير ثم الدكتوراه في الهندسة والعلوم التطبيقية، وقبل مشاركته في مشروع رومان، عمل سليمان في تجارب لرصد إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وشارك في تطوير تلسكوبات «BICEP Array» في القطب الجنوبي، وهي تجارب تستهدف دراسة إشارات بالغة الدقة من بدايات الكون والبحث عن آثار موجات الجاذبية البدائية المرتبطة بالتضخم الكوني.
جوائز من ناسا تقديرًا لمشاركته في المشروع
وتظهر أهمية مشاركته في مشروع «رومان» أيضًا من الجوائز التي حصل عليها ضمن فريق الكوروناجراف، حيث حصل على جائزة NASA/JPL Team Achievement and Excellence Award تقديرًا للمساهمة في نجاح الاختبارات الوظيفية لجهاز Roman Coronagraph، إضافة إلى جائزة أخرى عن المساهمة في اختبار الجهاز في ظروف الفراغ والحرارة وتسليمه إلى مركز جودارد التابع لناسا لدمجه في تلسكوب رومان، وفي مايو 2024، ظهر سليمان ضمن فريق جهاز الكوروناجراف أثناء نقله من مختبر الدفع النفاث إلى مركز جودارد، في خطوة سبقت دمجه مع التلسكوب الفضائي، وأكدت ناسا لاحقًا نجاح دمج الجهاز مع منصة أدوات تلسكوب رومان في أكتوبر 2024، بعد وصوله من مختبر الدفع النفاث، حيث جرى تطويره وبناؤه واختباره.
خطوة نحو الإجابة عن السؤال الأكبر: هل نحن وحدنا؟
ربما لا يقدم «رومان» وحده الإجابة النهائية عن السؤال: هل توجد حياة خارج الأرض؟ لكنه يمثل خطوة تكنولوجية مهمة في الطريق إليها، فالكوروناجراف الذي شارك أحمد سليمان في تطويره واختباره سيختبر للمرة الأولى في الفضاء مجموعة من التقنيات المتقدمة التي يمكن أن تسمح مستقبلًا بحجب ضوء النجوم بدرجة أكبر بكثير، وبالتالي رؤية الكواكب الصغيرة التي تختبئ داخل وهج نجومها.
وفي الوقت نفسه، يواصل سليمان العمل على أفكار وتقنيات مستقبلية للبحث عن الكواكب الشبيهة بالأرض، من بينها مفهوم يجمع بين التلسكوبات الأرضية وأجهزة تحجب ضوء النجوم في الفضاء، بهدف الوصول يومًا ما إلى القدرة على فحص مئات العوالم الشبيهة بالأرض والبحث في أجوائها عن مؤشرات مثل الأكسجين والماء والميثان.
وقد اختير مشروع «Hybrid Space-Ground Observatories» الذي يشارك فيه أحمد سليمان ضمن برامج معهد «Keck Institute for Space Studies» في كالتيك، بهدف تطوير طرق جديدة للبحث عن الكواكب الشبيهة بالأرض.
